اخبار دولية

الصعوبات الاقتصادية تزيد الحنين لعصر ماو تسي تونغ بعد 50 عاما على رحيله

Published on septembre 6, 2026 at 13:43

صورة تظهر تمثالا لماو تسي تونغ بتاريخ 19 آب/أغسطس 2026. — بيدرو باردو
صورة تظهر متجرا لبيع التذكارات في قرية داتشاي الجبلية بإقليم شانشي بتاريخ 19 آب/أغسطس 2026. — بدرو باردو / AFP
صورة لزائر ينحني أمام تمثال للزعيم الشيوعي الراحل ماو تسي تونغ في مقاطعة شانشي شمال الصين. الصورة بتاريخ 19 آب/أغسطس. — Pedro PARDO / AFP
صورة تظهر تمثالا لماو تسي تونغ بتاريخ 19 آب/أغسطس 2026. — بيدرو باردو

ترتفع الأعلام القرمزية عالية في ميدان "الشرق أحمر" في قرية نانجي، تلفحها شمس الصيف الحارقة، بينما يلتقط عدد قليل من السياح صورا مع تمثال ضخم لمؤسس جمهورية الصين الشعبية ماو تسي تونغ، والذي لايزال بعد نحو 50 عاما على وفاته يقف ببياضه الناصع في الميدان.

ما زالت تعاليم "الربان العظيم" الذي توفي في التاسع من أيلول/سبتمبر 1976، حاضرة بقوة في القرية الواقعة في إقليم هينان (وسط)، والتي توصف غالبا بأنها "آخر معقل للماوية في الصين".

ويختلج القرويين حنين متزايد إلى مبادئ ماو القائمة على المساواة، في وقت تتلاشى فيه ذكريات الاضرابات التي طبعت عهده، وتعاني البلاد تباطؤا اقتصاديا وتفاوتا اجتماعيا.

وعام 1949، قاد ماو الثورة الشيوعية ضد القوميين الذين كانوا يحكمون البلاد، وأطلق حقبة الملكية الجماعية آملا أن تحرك عجلة الصناعة وتوحد البلاد. ومع ذلك، يحمّل بعض المؤرخين سياساته المتطرفة المسؤولية المباشرة عن المجاعة الكبرى التي شهدتها البلاد وتسببت في وفاة الملايين من الصينيين.

وعلى الرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني الحاكم يرى في ماو بطلا ثوريا، إلا أن قياداته المتعاقبة تقر علنا بأن "الثورة الثقافية" التي طبعت عهده كانت "خطأ جسيما".

أما في نانجي، فتمتلئ القرية بجداريات الزعيم السابق فيما يعيش السكان حتى اليوم بناء على مبادئ الماوية القائمة على الملكية المشتركة على عكس النموذج الاقتصادي السائد في سائر أنحاء البلاد.

وقالت سييه كايوي (22 عاما، وهي طالبة جامعية من أبناء القرية وُلدت بعد نحو ثلاثة عقود من وفاة ماو "ما زلت أجله كثيرا"، مضيفة "أعتقد أن شباب القرية، ومن بينهم أنا، لا نمتلك قوة العزيمة ذاتها التي كانوا يمتلكونها في الماضي... الناس كانوا أكثر نقاء".

وعلى بعد نحو 500 كيلومتر (310 أميال) شمالا، في قرية داتشاي الجبلية بإقليم شانشي، التي اعتبرها ماو نموذجا قوميا بعدما حول سكانها تلالها الجافة إلى حقول مروية، يستحضر السكان عهدا هيمن فيه "الربان العظيم" على الحياة السياسية والاجتماعية. 

وقال لي (64 عاما)، وهو سائح من مدينة شيان مسترجعا ذكريات طفولته "على الرغم من أنه لم يكن لدى الناس ما يكفيهم من الطعام أو الملبس، إلا أن البلاد بأكملها كانت مفعمة بالحيوية، وسادت روح من الكفاح ضد الطبيعة والأرض والبشر لتغيير الصين على كافة الأصعدة. بالطبع أحنّ إلى تلك الأيام".

وتعج داتشاي اليوم بالمتاجر التي تبيع تذكارات تمجد شخصية ماو، من ملصقات وأوراق لعب وأوان فخارية نحتت عليها صورته، فضلا عن "الكتاب الأحمر الصغير" الذي يضم اقتباساته.

على الضفة المقابلة، تفرض السلطات رقابة صارمة على أي خطاب يتطرق إلى المحطات المظلمة التي طبعت عهده.

فعلى مدى عشر سنوات منذ عام 1966، وخلال ما يُعرف بـ"الثورة الثقافية"، شهدت البلاد استهدافا عنيفا للمثقفين باعتبارهم "أعداء طبقيين" وإغلاقا للمدارس مما أعاد التعليم والتنمية سنوات إلى الوراء.

وألغيت الملكية الخاصة، بينما تسبب سوء الإدارة الاقتصادية بما يُعرف بالمجاعة الكبرى" التي تقول السلطات إنها أودت بحياة نحو 15 مليون شخص، فيما يقدّر المؤرخون العدد بين 20 و43 مليونا.

وفي أحد المتاحف، أُزيلت نصوص تشير إلى الثورة الثقافية عن اللوحات التعريفية.

وقال الباحث شو تشنغوانغ، الذي كان من بين المستهدفين في طفولته على خلفية اتهامات لوالده بأنه "يميني" "كل ما تراه في العلن، صمم ليتماشى مع خط الحزب، ولا يسمح لأحد بالحياد عنه".

ما زالت صورة ماو حاضرة على الأوراق النقدية، وتزين صورة ضخمة له ساحة تيانانمن الشهيرة في وسط بكين، فيما جثمانه محفوظ في قاعة مخصصة. وكل عام، تصدر أفلام وبرامج تلفزيونية جديدة عن حياته بهدف ترسيخ إنجازاته في أذهان الجماهير.

واليوم، ينظر الشباب المحبطون من ساعات العمل الطويلة والمنافسة الشديدة في قطاعي التعليم والعمل إلى ما هو متاح لهم من معلومات تاريخية حول تلك الحقبة بنوع من الرومانسية. 

وفي كانون الأول/ديسمبر، حققت سلسلة فيديوهات منتشرة على منصة "بيليبيلي" (Bilibili)، الشائعة بين المستخدمين دون الثلاثين، انتشارا واسعا بعدما اعتبرت أن فيلم "الشباب" الصادر عام 2017، والذي يتناول قصة حياة راقصين شباب في فرقة عسكرية خلال السبعينيات، هو بمثابة إشادة ضمنية بالثورة الثقافية.

وتمت إزالة الفيديوهات،التي أشادت بماو واتهمت النخب الرأسمالية بسحق الحركة، بعدما حصدت أكثر من 35 مليون مشاهدة في أقل من أسبوع.

وقال كيري براون، رئيس معهد "لاو الصين" في لندن ومؤلف كتاب حديث عن ماو "ينظر اليوم بشكل متزايد إلى الثورة الثقافية على أنها فترة مثالية، كان خلالها المجتمع مدفوعا بالمبادئ وليس بالجري المستمر وراء المال والماديات". وأضاف "طبعا هذا ليس حقيقيا بأي شكل من الأشكال".

من جهته، أوضح موبو غاو، أستاذ الدراسات الصينية في جامعة أديلايد، أن الكثيرين يرون أن الفضل في إرساء القواعد التي أتاحت للصين التحول إلى دولة حديثة ومتطورة يعود إلى ماو.

وقال غاو، الذي واكب حقبة ماو في إحدى الأرياف الصينية "هم يتساءلون من أين جاءت الصين اليوم؟ هي نتاج تأسيس جمهورية الصين الشعبية. ومن الذي أسسها عمليا؟ إنه ماو بالتأكيد".

سام/ره/خلص

Agence France-Presse ©

Latest stories