من الدنيا

ضوضاء الطرق تثير مخاوف متزايدة على صحة الأطفال النفسية

Published on أغسطس 27, 2026 at 10:59

زحمة سير في نيودلهي في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 — جيويل صمد
زحمة سير في نيودلهي في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 — جيويل صمد

يثير الضجيج، وهو شكل واسع الانتشار من التلوّث لكنّه لا يحظى باهتمام كاف، قلقا متزايدا بشأن الصحة النفسية لدى الفئات الأصغر سنا، بعدما ثبتت آثاره السلبية المتعددة على الصحة، ولا سيما الضوضاء الناجمة عن وسائل النقل.

يقول الباحث في المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية إيلوا شازلا في حديث إلى وكالة فرانس برس "هناك مؤشر واضح على تأثير الضوضاء على الصحة النفسية للأطفال".

نشر شازلا وفريقه حديثا دراسة بشأن المخاطر الصحية المرتبطة بالضجيج، تُضاف إلى مجموعة متزايدة من الأبحاث التي تتمحور على المشاكل الصحية الناجمة عن ارتفاع مستويات الضوضاء.

وسبق أن ثَبُت أنّ التعرض للضوضاء يزيد من احتمال الإصابة ببعض أمراض القلب والأوعية الدموية، على الرغم من أن الآليات الدقيقة، التي يُرجّح أنها مرتبطة بالتوتر، لا تزال قيد الدراسة. أما بالنسبة إلى مشاكل السمع، فمن المنطقي أن تتفاقم بسبب هذا النوع من التلوث.

يشير المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا إلى أنّ "الضوضاء تبرز بشكل متزايد كعامل خطر بيئي رئيسي في القارة"، رغم أنّها مشكلة عالمية.

ركّزت دراسة شازلا الأخيرة على تأثيرات الضوضاء على الأطفال، وتحديدا الصعوبات العاطفية والسلوكية التي قد تتسبب بها. وخلصت إلى أن التعرض لضجيج الطرق في مراحل الطفولة المختلفة يرتبط بزيادة الصعوبات العاطفية والسلوكية في سن العاشرة تقريبا.

وحاولت دراسات أخرى في دول عدة تقييم مدى تأثير الضوضاء على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين. إلا أن تفاوت جودة المنهجيات المستخدمة حال دون التوصل إلى النتيجة نفسها.

في العام 2025، أثارت إحدى أكثر الدراسات دقةً مخاوف بشأن مشاكل الصحة النفسية الناجمة عن سنوات من التعرض للضوضاء لدى المراهقين. وخلصت هذه الدراسة التي أجريت بمتابعة أكثر من مئة ألف شاب فنلندي على مدى سنوات عدة، إلى أن تشخيص اضطرابات القلق والاكتئاب كان أكثر شيوعا بين مَن يعيشون في بيئات تتعرض بشدة لضوضاء وسائل النقل.

وتوصلت الدراسة التي نُشرت في مجلة "إنفايرنمنتل ريسيرتش" إلى أن "التعرض المستمر لضجيج المركبات على الطرق والذي يتجاوز 53 ديسيبل يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق".

تابعت دراسة شازلا نحو 8 آلاف طفل فرنسي منذ الولادة وحتى سن العاشرة، وقيّمت ما إذا كان التعرض لضوضاء وسائل النقل في المنزل، سواء كانت مركبات أو طائرات أو قطارات، مرتبطا باضطرابات داخلية كالقلق وصعوبات بناء العلاقات مثلا، أو اضطرابات خارجية كصعوبات مرتبطة بالسلوك واضطراب نقص الانتباه وغير ذلك.

وخلصت الدراسة إلى أن الخطر يبدو أعلى عندما يكون منزل الطفل بالقرب من طرق مزدحمة. أما بالنسبة إلى القطارات والطائرات، فالنتائج لم تكن حاسمة، ربما بسبب قلة عدد الأطفال الذين شملتهم الدراسة. فالضجيج الناجم عن وسائل النقل هذه أقل انتشارا من الضوضاء الناتجة عن الطرق.

وأتت النتائج متباينة بالنسبة إلى ضجيج الطرق أيضا، إذ بدا أنّ المخاطر تختلف باختلاف سن التعرض للضوضاء. على سبيل المثال، يرتبط تعرض الأطفال لمستويات عالية من ضجيج الطرق في عمر شهرين أو خمس سنوات ونصف سنة بزيادة الصعوبات في العلاقات مع أقرانهم. إلا أن هذا التأثير يختفي عندما يبلغ التعرض ذروته في سن الثالثة تقريبا.

ولتفسير هذه التباينات، يفترض الباحثون أن التأثر الفزيولوجي والنفسي بالضوضاء يتبدّل بحسب السنّ، لكنهم يشيرون إلى ضرورة إجراء مزيد من الدراسات لدعم هذا الاحتمال.

يقول شازلا "الأهم هو عدم إثارة الذعر بين الناس لمجرد أنهم يقيمون قرب طرق"، مؤكدا أن مدى التأثيرات يبقى محدودا. ويضيف "لكن على مستوى السكان، يمكننا بالتأكيد الحديث عن مشكلة تتعلق بالصحة العامة".

ومع أنّ بعض النقاشات العامة بدأت تُولي اهتماما للضوضاء باعتبارها قضية صحية، إلا أن الإجراءات الكفيلة بالحد منها لا تزال محدودة، خصوصا بالمقارنة مع النتائج المحققة في ما يتعلق بتلوث الهواء.

في هذا السياق، رأت محكمة الحسابات الأوروبية في مطلع عام 2025، أن الاتحاد الأوروبي "لا يُرجَّح أن يحقق" أهدافه لخفض التلوث الضوضائي بحلول 2030، لافتة إلى أن واحدا من كل خمسة أوروبيين يتعرض لمستويات ضوضاء مفرطة.

جدي/رك/دص

Agence France-Presse ©

Latest stories